Booking.com
Booking.com

اتصال بالسماء

قصة/ حازم عبدالعزيز

إهداء محمد خميس 

اتصال بالسماء
اتصال بالسماء

عم صابر عامل السنترال رجل يحمل من اسمه الكثير. اعتاد أن يأتي كل صباح إلى مقعده  خلف مكتب الاستقبال في السنترال الذي يقع في تلك المنطقة النائية من العالم، في منتصف طريق صحراوي، تصل بينه وبين أقرب مدينة  مسافة يقطعها الراكب في ٤ ساعات على  الأقل. لم يكن رواده كثيرين قط،  وانعدموا تماما منذ أن أصبح كل  شخص يحمل وسيلة  جلب الهموم الخاصة به في جيبه. لكن عم صابر لا يزال يأتي كل يوم في الصباح، يجلس خلف مكتبه، وينتظر، عسى أن يضطر أحدهم في سفره إلى اللجوء إليه، فيكون عم صابر  السبب الوحيد في تخليصه من مصيبة ما 

غير أن هناك زائر واحد لم ينقطع أبدا عن زيارته الروتينية إلى السنترال كل نهاية أسبوع  نذ أن استلم عم صابر عمله في السنترال. زبون غريب الطبع والهيئة، شارف السبعين أو  تعداها، كان يأتي مرة بشكل مختلف؛ مرة يأتي أنيق الهندام متورد الوجه مبتهج، وأخرى  يأتي وقد علت ثيابه غبرة ويتألق في عينيه حزن عميق مشوب بالغضب، وكأنه عائد لتوه  من معركة طاحنة كان هو فيها آخر الناجين من الطرف المنهزم. وكانت عادته أن يدلف إلى السنترال، ويسأل عن كابينة المكالمات الدولية، وكأن مكانها يتغير كل مرة، ثم يدلف إليها ويغلق الباب، ويظل يتحدث في الهاتف قرابة الساعة، ثم يخرج من الكابينة، وينظر لعم صابر بعينين أصبحتا متورمتين فجأة، ويقول له “لقد دفعت الحساب مقدما.” ثم يخرج بعد أن  ينظر عم صابر إليه في تفهم 

وفي مرة، انقطع صاحبنا عن زيارة السنترال فترة طالت، حتى ظن عم صابر أن زبونه قد انتقل من عالمنا إلى ذلك المكان الذي يذهب إليه من يرحلون عنا. وأهم ذلك الغياب عم صابر هما كبيرا، فقد كان يجد في زيارة الرجل الخاطفة بعض السلوى وبعض أنس الرفقة في  وحدته وغربة عالمه الممتدة خارج حدود الزمان والمكان. وحتى في ظنه أن الرجل قد غادر الدنيا كان عم صابر يحسده، فطالما ود لو يأتيه رسول الموت بعبائته ومنجله فيخلصه من طغيان الوحدة على روحه وينقله من عزلة هذا العالم إلى عالم آخر قد يجد فيه بعض الرفقة والأنس. لكنه دائما ما كان يطرد ذلك الخاطر، ويقول لنفسه أنه في هذا المكان ليؤدي رسالة مقدسة نحو الإنسانية، وأنه إن يمت ويغلق السنترال أبوابه بعده، قد يأتي عابر سبيل ما وقد تقطعت به كل السبل ليستنجد بعم صابر فلا يجده، وكان ذلك الخاطر يؤلمه كثيرا 

وحدث مرة أن جاء صاحبنا إلى السنترال فجأة بعد انقطاع طويل، وظل لمدة تقرب الأسبوعين يأتي كل يوموكان يختلف كثيرا عما عهده عم صابر منه، حتى أن كاد ألا بتعرفه أول مرة، لو أنه لم يكن ليخطئ الصوت الذي ظل يسمعه كل أسبوع لسنوات، وإن أصابه شرخ عميق يميزه عن كل مرة سابقةفقد كان يمشي واثقا وإن غدت ثيابه عليه أسمالا، وغادر الغضب والحزن ألق عينيه، وتركا ورائها تجويفين من الفراغ المظلم لا يستطيع الناظر إليها إلا أن تتملكه رعدة من خوف كالناظر إلى هوة سحيقة من علٍ، وبدا سنه أصغر كثيرا، كأنه أربعين أو خمسين، وبدأ أطول قليل من ذي قبل 

وكان صاحبنا في زياراته الأخيرة التي غدت يوميا يأتي فيسأل عن كابينة المكالمات الدولية، ثم يدخل فما يلبث أن يخرج منها من فوره ويتجه إلى خارج السنترال دون أن ينبس بحرفحتى جاء ذلك اليوم، وخرج صاحبنا من الكابينة واتجه إلى مكتب عم صابر وعاجله بسؤال خاطف بصوت يأتي من جب عميق 

هل تغير رمز الاتصال بالمكالمات الدولية؟ 

نظره له عم صابر في إشفاق ولم يدر كيف يجيبه، يدرك عم صابر ما يتحدث عنه الرجل  التائهة روحه أمامه، لكنه أصر على السؤال 

لماذا؟ بأي دولة تريد الاتصال؟ 

سكت الرجل فترة وغاب في حيرة عميقة، واعتلى وجهه تعبير خاو من الحياة، وأخذ ينظر بعين زائغة فيما حوله، حتى ظن عم صابر أن الرجل قد غاب عن الوعي وظل واقفا بمعجزة ماوقبل أن يتحرك عم صابر ليهز مرفق الرجل، حتى جاء صوته مشروخ الكلمات، يتحدث ببطء عميق، وفيه نبراته هزة ألم واضحة 

 أخبرني أبي في حديث الموت على فراشه قبل عامين أنه كان يأتي هنا كل أسبوع. يدخل  الكابينة ويجري اتصالا بالسماء. وأعطاني رقم السماء وأخبرني أنه حين أنسى من أكون علي الاتصال بالسماء لتذكرني. وظننتها تخريفات عجوز هالك وقتها. لكني آتي كل يوم منذ  أسبوعين، فيخبرني الصوت على الهاتف أن الرقم المطلوب غير موجود بالخدمة، وأنا اليوم في أشد الحاجة إلى الاتصال بالسماء. فهلا أخبرتني، ما رقم السماء الجديد؟ 

صمت عم صابر وقد هاله الحديث وتعجب من الشبه الرهيب بين الرجل وابنه، وكيف لم  يهتدي إلى التمييز بينهما من أول مرة، وحزن على نظره الذي لابد وقد أصابه ضعف. ثم  استجمع عم صابر كل ما بداخله من قوة، وتنهد بقوة مرتين ليعد صوته لكي يخرج قويا  صارم النبرات وقال 

 يا صديقي أظن أباك كان مجذوبا، أو بعقله شيء من تلف. كان يأتي كل أسبوع ويدخل  الكابينة ويتخيل أنه يحادث السماء، وأنه يدفع ثمن المكالمة دمعا صادقا. ولما كان هو  الزبون الوحيد فقد كنتُ أدعه وشأنه، فقد كانت تروقني رفقته ولو لساعة وحيدة كل أسبوع. لكني لا ألومك، فلم يكن باد الخبال أبدا، حتى أني كدت لأصدقه. ارحل يا صديقي، لا أحد  يحادث السماء عبر الهاتف 

نظر الرجل إليه طويلا بالنظرة الخاوية ذاتها، ولم يتحرك، وتألقت في عينيه بضع دمعات، ثم استدار وهو يتمتم

“ثمن الاتصال بالسماء الدموع.” ومضى يكررها في صوت خافت حتى دلف إلى الكابينة، ومضى  بداخلها ساعة أو يزيد قليلا، ثم خرج وقد تورمت  عيناه، وقال لعم صابر “لقد دفعت الحساب مقدما.” وخرج من السنترال 

ومن وراء الباب، مر أمام عيني عم صابر الحائرتين ظل خاطف لكيان مظلم يرتدي عباءة ويحمل منجلا 

One thought on “اتصال بالسماء

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Booking.com